هشام جعيط

173

نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "

الشام ، خلافا لليونان ، فضلا عن أنه لم يكن لهم نموذج طبوغرافي أو مؤسساتي مسبق للحياة الحضرية . فآل الأمر إلى تعايش غريب جدا بين المدينة والقبيلة التي كانت نابضة بالحياة عند العرب بينما لم تكن سوى أمر مفتعل وربما أثر عند اليونان . لماذا وفق الإسلام حيث فشلت الهلينية ؟ لأنه جمع بين المبدأ الديني الذي لا يمّحي وبين الهوية الثقافية المتينة ، والتنظيم العسكري الجيد ، ولأنه حافظ على هذه العناصر الثلاثة في أمصاره القليلة . وخلافا لذلك ، فقد كان مستعدا لتقبل سلسلة النماذج الحضارية المودعة في الشرق بشكل انتقائي ، بما فيها الهلينية . وتم العمل بهذه الانتقائية في تخطيط الكوفة . لكن الإسلام وجد أخيرا الأسلوب اللائق به بعد قرن من ذلك . إن العرب الذين أتوا مع سعد لم يكونوا يمتلكون المخطط الجاهز لهيبوداموس الذي أبدع في ميلي Milet ، مع أنه في الحقيقة يعود إلى زمن غابر « 1 » ، إذ كان ابتكارا للهلّينية الأيونية وليست الأتّيكية ، وقد نشره خلفاء الإسكندر . ولعلهم اطلعوا على ما تبقى من المخطط المشبّك بسلوقية - بهرسير وحتى في بابل ، أو في السوس بالنسبة لأهل البصرة . ولنا أن نوضح القول أكثر من ذلك ونتساءل إلى أي حد يندمج مخطط هيبوداموس في الثقافات - بالمعنى الأنثروبولوجي - الشرقية ، بما فيها ثقافات مشارف بلاد العرب « 2 » ؟ ولذا يجدر بنا التساؤل عن إمكانية غامضة تتمثل في الأصل الهليني للشوارع الكبرى بالكوفة . حيث إذا رضينا بالتأويل الثاني لرواية سيف - أي أن الشوارع الرئيسة كانت تقطعها شوارع ثانوية قطعا عموديا - نكون قد وقعنا قطعا على تخطيط هيأته رقعة أو شبكة . ومهما كان الأمر ، وفيما يخص مساحة السكن فلا يتعارض النموذج الشرقي والنموذج الهليني ، بل إنهما يتشابهان كما رأينا ذلك ، ولعلهما يمتزجان في رؤية واحدة للمجال هيأها المخططون طبق حاجات التنظيم العشائري العربي أو تنظيم المعسكر . فأدى ذلك إلى تصفيفات وشرائط متمددة . أما عن المركز المقتبس من الأسلوب البابلي الجديد والآشوري ،

--> ( 1 ) History of Mankind , II , 1 , p . 176 ؛ ناقش أوبنهايم تأثير « الأورارتو » على المخطط المشبك : op . cit . , . pp . 150 - 151 ( 2 ) تسرب التأثير الهلينستي وصبغته الرومانية إلى إمبراطورية البارث وبقيا في الإمبراطورية الساسانية : راجع في خصوص بلاد ما بين النهرين : Oppenheim , p . 151 ؛ وقد وافقت بيغولفسكايا ( Pigulevskaja , p . 84 ) على أن « دخول اللغة اليونانية والتقاليد الهلينية إلى المدن الشرقية كان عميقا » . انظر أيضا : Ghirshman , L'Iran des origines a ? L'Islam , pp . 278 , 309 ، وانظر خاصة : ( Univers des Formes , III ) Parthes et Sassanides وقد أثار D . Schlumberger النقاس حول هذا الرأي معتبرا أن الفن الساساني تحرر من الهلينية وقام في جملته على العودة إلى المصادر الأخمينية والشرقية ، رغم قبوله بوجود الطابع الهليني في فن البارث . راجع « Sur l'origine et sur la nature de l'art des Sassanides » في : VIIIe Congre ? s International d'Ar - . che ? ologie classique , pp . 567 - 577